السيد محمد باقر الصدر

224

المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )

« وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً . . . » « 1 » ويذكِّره بسيرة الأنبياء الذين تقدموه من اولي العزم ، فيقول : « . . . فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ . . . » « 2 » ويخفف عنه احياناً ، ويعلمه أنّ الكافرين لا يجرحون شخصه ولا يتهمونه بالكذب لذاته ، وانما يعاندون الحق بغياً كما هو شأن الجاحدين في كل عصر كما في قوله : « قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ » « 3 » . 3 - إنّ القرآن الكريم ليس كتاباً كسائر الكتب التي تؤلف للتعليم والبحث العلمي ، وانما هو عملية تغيير الانسان تغييراً شاملًا كاملًا في عقله وروحه وإرادته ، وصنع امّة وبناء حضارة ، وهذا العمل لا يمكن ان يوجد مرة واحدة وانما هو عمل تدريجي بطبيعته ، ولهذا كان من الضروري ان ينزل القرآن الكريم تدريجاً ، ليحكم عملية البناء وينشئ أساساً بعد أساس ، ويجتذ جذور الجاهلية ورواسبها بأناة وحكمة . وعلى أساس هذه الأناة والحكمة في عملية التغيير والبناء نجد أنّ الاسلام تدرج في علاج القضايا العميقة بجذورها في نفس الفرد أو نفس المجتمع ، وقاوم بعضها على مراحل حتى استطاع ان يستأصلها ويجتث جذورها ، وقصة تحريم الخمر وتدرّج القرآن في الاعلان عنها من أمثلة ذلك ، فلو أنّ القرآن نزل جملة واحدة بكل احكامه ومعطياته الجديدة لنفر الناس منه ، ولما استطاع أن يحقق الانقلاب العظيم الذي أنجزه [ في ] التأريخ .

--> ( 1 ) يونس : 65 ( 2 ) الأحقاف : 35 ( 3 ) الانعام : 33